القاضي النعمان المغربي
79
المناقب والمثالب
قد علم القوم من أهل العمد * إن الفتى سيد أهل النجد « 1 » . فكنف « 2 » أبو طالب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وتبنّاه وخصّه وأدناه ، وكان أفضل كل ولده عنده وأحبّهم إليه ، وأراد أبو طالب عليه السّلام سفرا إلى الشام في جماعة من قريش فتأهب له وأخذ في عدته وجهازه ، فرأى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كسرة وأبصر عليه كآبة ، فسأله عن حاله ، فشكا إليه فقده وما يجد من الوحشة بعده ، وسأله أن يخرج به معه ، فرقّ له أبو طالب وخرج به معه ، فنزلوا بقرب صومعة راهب بأرض بصرى يقال له : بحيراء ، وكانت قريش تمرّ به كثيرا وتنزل بقرب صومعته ، فلا ينزل إليهم ولا يكلم أحدا منهم ، فلمّا نزلوا ذلك المنزل ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله معهم ، نزل إليهم ذلك الراهب وسألهم عن حالهم ، وكان ذا علم بالكتب وأخبار ما يكون ، فنظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وتأمله وسأله عن حاله وقصته ، فأخبر بذلك فخلا بأبي طالب وقال له : إن لابن أخيك هذا شأنا ، وأنه سيبعث نبيا وهذا وقته وهذه صفته ، فاحذر اليهود عليه وارجع به إلى بلدك ، فإن اليهود إن رأوه خفتهم عليه . فهو على ذلك معهم إذ أقبل عليه قوم من اليهود فرأوا بحيراء مع أبي طالب ، ونظروا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فعرفوا دلائل النبوة فيه ، فهمّوا به ، فهمّوا به ، فخلا بهم بحيراء ونهاهم عنه وحذرهم أمر قريش ، وأنهم لن يسلموه ، وانصرف أبو طالب إلى مكة ، وقال أبو طالب في ذلك : محمد ذو العرف والذوائب * ولست بالأمس غير الراغب بأن يحق اللّه قول الراهب * فيه وأن يفضل آل غالب إني سمعت أعجب الأعاجب * من كل حبر وعالم وكاتب بأنه يقتاد كالجنائب * من حل بالأبطح والأخاشب
--> ( 1 ) - تاريخ اليعقوبي : 2 / 13 ، الفضائل لابن شاذان : 45 . ( 2 ) - كنف : رعاه وحفظه . كتاب العين : 5 / 381 .